أن تجد مواطناً لا يعرف ما هو حق وطنه عليه ، وما هي حقوقه كمواطن يعيش على تراب وطنه , أمر طبيعي جدّاً في ظل الوصاية الجبرية على العقول والألسن والممتلكات .
ساقني إلى ذلك ما شاهدته على قناة ( الإخبارية ) السعودية في المادة التي يقدمونها بعنوان ( سؤال اليوم ) ، منذ عدّة أيام ، كان السؤال : ( ما هي حقوقك كمواطن / مواطنة ؟ ).. فكانت نماذج من الإجابات كالتالي :
- حقوقي كمواطن أن يتم تخفيض الأسعار .
- حقوقي كمواطن أن يتم افتتاح دور للسينما ..!!
- حقوقي متوفرة والحمد لله ولا ينقصني شيء .
- حقوقي أن أصلي وأصوم ، وأكون باراً بوالدي ..!
- حقوقي أن يتم قبولي في الجامعة .
- حقوقي ، كيف يعني من أي ناحية .!
- حقوقي أن أتوظف حتى لو سيكيورتي ، أنا عاطل لي سبع سنوات ..!
المتتبع لإجابات العيّنة التي تم طرح هذا السؤال عليها يلاحظ البساطة والسطحية في فهم الفرد لماهية الحقوق الإنسانيّة أولاً ، وحقوقه الوطنية ثانيا كأحد أبناء أو بنات هذا البلد .
غياب الوعي ، و عقليّة الوصاية المستطيرة على كل مفاصل حياة الفرد في بلادي ، جعلت إنسان هذا البلد يعتقد أن كل شيء يحصل عليه في بلده ، هو عبارة عن ( مكرمة ) أو مكآفئة توهب له عن طيب خاطر !
هذه الثقافة المترسبة في العقليّة المحليّة جعلت المخلوق السعودي أقرب إلى الإذعان والانقياد ، والتصديق والتطبيل ، ورسخّت فيه النمطيّة والتقليديّة ، والرضوخ التام لما يمليه عليه المنظرون من مختلف الجهات السياسية والدينية .
في مسجد الحي ، خطيب جمعتنا يتنبأ بأن حمى الأسعار ، وموجة الغلاء الذي يجتاح كل شيء ، هو بسبب ذنوب الخلق ، ومشاهدتهم لـ " طاش ما طاش " واستخدامهم لجوال الكاميرا ، و مشاركتهم في الأسهم التي يقول أنها نوع من القمار والسحت ..!
ولم يتحدث جزاه الله خيرا عن الذين شفطوا سوق الأسهم ، وهم الأكثر إفسادا في الأرض وأكلاً للسحت ، وعن الذين يمارسون ما لم يخطر على بال الشيخ الفاضل من شتى أنواع الموبقات لما في أيديهم من أموال لو ارتفعت الأسعار عشرة أضعاف لم تلحق بهم ، لماذا لا يعاقبهم الله كما يعاقب المسحوقين من أصحاب القروض ، و ذوي الدخل الممحوق ..!!
لا تزال سياط الصحوة المشؤومة ، وفتاوى منظريها ، تجلد هذا الشعب بمواعظ الترهيب والتخويف ، وتعزز بقوة لذهنية التحريم التي اجتاحت كل مناحي الحياة بما فيها مخرجات التكنولوجيا والعلوم الحديثة والفلسفة والفن والإبداع ، فلا يكاد ينجو من بين براثن فتاواهم جهاز جديد تم اختراعه ، أو معلومة فلسفية يتم الحديث عنها ، أو عمل درامي أو مسرحي ، أو حدث ثقافي أو اجتماعي طارئ كالأيام الثقافية ، أو المنتديات الاقتصاديّة ..!
ولطالما كانت علاقة الرجل بالمرأة في المجتمع السعودي هي المصدر الأول الذي ينطلق منه أشاوس المؤسسة الدينية السعودية في فرض أجندتهم على المجتمع من خلال زرع مفهوم ( عدم أهليّة ) المرأة في عقول النشا ، حتى استوعبت الفتاة السعودية أن الرجل أثمن منها ، وأنها ناقصة وغير مهيأة لأن تكون شريكة في بناء الوطن ورضيت أن تكون في خلفية الأحداث دائما لدرجة أنها صارت تدافع عن واقعها الشاذ ببسالة يكتنفها الجهل بالحقوق ، والتشرذم الفكري والعقلاني .
ورغم ذلك لا تزال الأصوات الحرّة والمخلصة ، ترتفع بين الفينة والأخرى من أبناء وبنات هذه الصحراء الطاهرة ، مبشرة بيقظة حتمية مرتقبة ، تزرع الكثبان زهورا ، تقاوم التصحرّ والغبار و مزايين الأباعر ، وتخبرنا بزوال غوغائية الأعراب وثقافة الغزو والاعتداد بالقتل وسفك الدماء و التباكي على الماضي البائس في عهد الثورة المعلوماتية والصناعية .
سيعرف بها الصغير قبل الكبير ، رجالا ونساءا ، أن الوطن للجميع ، باختلاف مذاهبهم وأفكارهم وانتماءآتهم ، الرئيس منهم والمرؤوس ، كلهم شركاء في الأرض والثروات والمناصب ، للجميع الحق في التعليم المجاني بكافة مراحله ، و توفير الدواء والرعاية الصحية المجانيّة ، و أن يُترك للجميع الحرية في التفكير والبحث والإنتاج ، وعدم مصادرة الآراء وقمع الحريات ، والسماح بالمشاركة الشعبية في الشورى وصنع القرار .
هذه هي حقوقي كمواطن وحقوقها كمواطنة ، و هذا ما يجب أن نغرسه في عقول أبنائنا من الأجيال القادمة .
كتبها علي العمري في 10:46 مساءً ::
مدونة جميلة أخي علي ,, وتعقيب صغير على مقالك
يفاجئني الكثير من الناس في هذا الوقت
من يردد مقولة : (حكامنا الله يطول أعمارهم ما قصّروا)
ولو سألت وناقشت أحدهم في مقولته لوجدت إصراراً منه على هذا الرأي
مع إقتناعه بأنه على خطأ لا أقول إلا (ولله في خلقه شئون)
تحياتي لك
أخي علي ,, مدونة جميلة وموضوع جذبني
مازلنا إلى الآن نسمع مقولة:(حكامنا ما قصّروا الله يطول في اعمارهم)
ولو سألت أحدهم أوناقشته في ذلك لتبين لك أن له عقلاً أجوف.
فلا تملك إلا أن تقول: (ولله في خلقه شئون)
تحياتي لك
يارب اهديه الى الحق أو جمد لسانه وشل الركانه
انت جبانا والاكان تركت التعليقات تظهر بدون مرقبه هذا لانك مقتنع ان ما تكتبه خطاء في خطاء

الاسم: علي العمري

