في الرياض .. لاشيء , غير الصقيع والنصائح المجانية ..
كتبهاعلي العمري ، في 17 يناير 2007 الساعة: 00:56 ص
::
أتردد كثيرا على عاصمتنا الحبيبة مدينة الرياض .. والزائر لها يجد فرصة حقيقيّة لأن يلمس بعض المعاناة المستطابة نوعًا ما عند أهلنا في مدينتهم الأكثر قدسية في قلب الصحراء .. والتي تستطيع أن تفعل كل ما شئت فيها من أمور صغيرة أو كبيرة .. شريطة أن يكون ذلك في الخفاء .. ففي الرياض كل شيء في خلفيّة الصورة ، مباح ..!
عندما تتجول في شوارع هذه المدينة العصرية المتقنة هندسيّا ومعماريّا والتي تعتبر الواجهة الحضارية لبلادنا .. لا أدري لمَ أستحضر دائما الماضي الموغل في الرهبانيّة .. وكأنني أرى أشباح الفاتحين والسيوف التي لا تُغمد .. والدماء تنزف في الطرقات .. والاحتساب والحسبة ..
مدينة بحجم أربع عواصم خليجية .. ليس بها مرافق ترفيهية .. ولا مسارح .. ولا صالات عرض سينمائية .. ولا أماكن تنزّه خاصة .. لا يوجد بها احتفالات ولا أفراح .. أهلها أموات .. قد استساغوا ميتتهم .. !
عندما تتجول فيها لا ترى نساءًا يسرن وفق الفطرة مع الرجال في الشوارع كبقية الحواضر في العالم .. وكأن البلد كله حظيرة ذكورية .. تفوح منها رائحة الموت .. والغربة .. والحضور الطاغي لماضي البشرية … !!
الكل هنا يسحقك .. الكل هنا يشك فيك .. الكل هنا يجاهد .. ويعظ … لن تذهب إلى أي مكان حتى تجد من يصادر حريتك .. ويحتسب الدعوة إلى الله بوعظك وإرشادك .. تخاف أن تفتح حنفية بيتك .. فيخرج لك أحدهم متدفقا مع الماء ويصرخ قائلاً .. " تب إلى الله " .. حتى ولو لم يرى إثماً .. فإنه سيجد له ألف معصية يناصحك من أجلها ، بداية من جسدك الذي هو خاصّتك .. إلى منزلك ، إلى أثاثك ، إلى حاجياتك .. إلى ملابسك .. إلى سيارتك .. فكل ما حولك فيه كبائر وصغائر ، وآثام وموبقات .. يجب أن تتخلص منها .. !!
خرجت من بيت أحد أصدقائي بحي الروابي شرق الرياض .. لأستقـّل سيارتي وأدير محركها ، عندما رآني أحد طلاب كلية المعلمين الذي خرج من بوابتها وتوجه إليّ مباشرة.. رأيته وتجاهلته حتى طرق عليّ شباك السيارة لأخفض صوت (المسجل) وأرحب به ..فبادرني بدروشة غريبة .. وتلقائية لا تراها إلا في هذه البقعة من العالم .. يقول : أريد أن أنصحك نصيحة مجانية ! .. قلت تفضل .. قال يا أخي أنا سمعت الموسيقى تنبعث من مذياع سيارتك .. وأنت مسلم يجب أن تتوب منها .. ولا تسمعها .. وعليك أن تتحرر من كل الأشرطة والسيديهات التي في سيارتك .. والآن أثابك الله .. لا تخذلني واعتبرها لوجه الله .. من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه …، ثم حدثني عن صلاة الليل .. وعن ساعات الاستجابة ….إلخ
لحظتها عرفت ماذا يعني مصطلح "الإرهاب الفكري" .. كنت أريد الانعتاق .. خيم عليّ صمت رهيب .. وأحسست بالانسحاق الكامل وهو يهاجمني تارة ويعظني أخرى ويحمّلني كل مساوئ الكون .. وكأنني أنا من سلّم المسجد الأقصى لليهود …!!
عندما ما انتهى .. وعدته أن أتخلص من كل المصائب التي أحملها في سيارتي .. قبل أن يُصب الرصاص المصهور في أذني … ثم طلب مني طلبا آخر .. أن أغير موجة الراديو على إذاعة القرآن الكريم .. وأن أكثر من استماع برنامج " نور على الدرب " .. عندها غيرت الراديو فورا على موجة الإذاعة المقدسة .. وقلت له جزاك الله خيرا .. وأنا أقول في نفسي " يا أخي متى تحل عني … دعني أذهب إلى عملي " ..!!
تولى عني أخيرًا….. بعد أن أحس أنه نجح في غزوته الدعويّة .. غادر منتشيا منتصرا .. لقد استطاع إرهابي كلاميّا .. عدت أنا إلى وعيي بعد عيبوبة قصيرة .. ثم انتبهت إلى أن الشباك مفتوح والهواء بارد.. لفح الصقيع وجهي .. وسكن عظامي .. ألا تكفي ضراوة الطقس .. وقسوة البرد .. حتى أتحمل أيضا قسوة التوبيخ والتشكيك والإبادة الفكرية .. !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























