المــخـــــــاض
كتبهاعلي العمري ، في 13 ديسمبر 2006 الساعة: 09:28 ص
في حياتنا كسعوديين , هل تسآئل أحدكم ماذا تميزنا به فعليا عن غيرنا في هذا العالم ..؟
ماذا قدمت لنا الطفرة النفطية .. لم تتعدى الماديات والأسمنتيات … لم تقدم لنا شئيا جديدا على سبيل المخاض الفكري .. أو التلاقح الفني والثقافي ..!!
كل ما تغير هو نقلة نوعية من النوم بجوار الدجاج .. إلى غرف فارهة … وتحول مباني الطين إلى الاسمنت والرخام .. كما تحولت الدابة إلى سيارة .. والمسواك إلى فرشة أسنان ..!!
لا أكون مجحفا فأهضم حق الكثير من المفكرين والأدباء والأطباء والمهندسين والكتاب والسياسين وغيرهم من النخب ..!!
ولكن هي نفس العقليّة .. نفس التعامل .. نفس التفكر .. نفس الجمود نفس الخوف نفس الرغبة نفس اليأس .. نفس الرضوخ و نفس النسخ القديمة .. يسيرون وكل واحد منهم يشبه الأخر في عزيمتة على المجاهدة والوعظ والتكفير و التبديع ..!!
إننا أمام جيل قد تربي على النواهي والنواقض .. والهوس والخوف .. والمبطلات والمحداثات .. والسبع الموبقات ..!!
تربينا على الترقب من الغير … على الخوف من الشخص الغريب الذي يقبع وراء المحيطات ..!! وأيقنا أن العالم من حولنا ماهو إلا مرتع حقيقي للكفر والشبهات والبدع .. جميع أصناف البشر وكل طوائفهم ونحلهم … هم أمام عبقريتنا الفـذة قطيع من المبتدعة والكفرة.. سيساقون يوما إلى جهنم .. !
العالم الخارجي المتهتك الزاني العاهر الكافر الذي يغزونا فكريا واجتماعيا ويهدد دنينا في صميمه..!!
من يصدق …أن التلفزيون الرسمي الذي مضى عليه نصف قرن من التأسيس لا يستطع أن يبث أغنية بالأسود والأبيض لمطربة عجوز راحلة اسمها أم كلثوم .. ؟!
من يصدق .. أن نساء وبنات بلادنا حتى دون سن الـ13 يغطون وجوههن وأجسادهن من الرأس إلى القدمين بطبقات من الأقمشة السوداء في حرارة تقترب من الخمسين درجة مئويّة ولا يستطعن الحركة بلا محرم إلى أي مكان يمتلأ بالديوك البشرية في مجتمع ذكوري بحت ..!!
من يصدق .. أن ملايين من الشباب والرجال لا يشاهدون النساء أبداً مطلقا .. وقد يمر عليه عقدين أو أكثر من عمره لا يعرف غير أمه أو أخته ..!
من يصدق .. أن أهم ما يشغل بال أحدنا .. هل حلقه للحيته سيذهب به إلى الجحيم .. !!
من يصدق … أن أهم ما يشغل بعض فتياتنا .. هل تضع عباءتها على الرأس أم على الأنف ..!!
من يصدق ..!! من يصدق ..!! أننا عشنا في هذه البلاد أكثر من 50 سنة كما نحن … لم نتغيّر .. وإن تغيرنا فإننا نتحرك ببطء شديد مميت ..
لماذا هذا الانهيار الفكري والعقلي الداخلي إلى درجة الوصل إلى حافة الجنون والانتحار .. ؟!
المراقب لمثل هذا المجتمع المصدوم بالخروج من العزلة الطويلة التي أمضى فيها آلاف السنين أجزم أنه لن يندهش عندما يرى أن هذا المجتمع يخرج منه انتحاريون حاقدون على الحياة والأحياء .. يريدون قتل الفرح والابتسامة ويعتبرونها غفلة .. يريدون تدمير الحضارة .. ويعتبرونها سقوطا وتشبها .. يُغضب الله ويجلب الكوارث ..!!
متى يسقط الضوء على ذواتنا ودواخلنا المظلمة …!!
متى نتحرر من الأحادية حتى في ديننا .. ونخرج من عباءة الرهبانية والوساوس ..!!
متى نخرج من ثقافة البداوة وعقلية الغزو .. والافتخار على كل شيء … بلا أي شيء ..!!
أجيال تعاقبت على أرضنا وهي تظن أنها عاشت .. مرت بهذه الحياة وهي لم تعرف منها إلا القسوة والكراهية والعدوان على الذات وعلى الآخر .. وتكريس عقدة المؤامرة ..الاضطهاد والاستبداد هو مرآة حياتها إذا سلمنا أنها كانت حياة ..
يا سبحان الله وكأن ظلم البيئة المقفرة والطبيعة القاسية لا يكفي حتى نظلم أنفسنا تارة باسم الدين وأخرى باسم العرف .. وفوبيا الشرف والمرأة والعادات العربية الأصلية ..!!
ولكن المتأمل في واقنا اليوم .. يرى مخاضا حقيقا .. قادما .. وتغييرا يكاد يكون أسرع من ذي قبل .. قسّم المجتمع إلى راديكاليين ركبتهم هستيريا النحيب والبكاء على هذا المجتمع ومصير الأمة التي تريد التحديث والتغيير .. والعيش في واقع أفضل .. فجعلوا من أنفسهم قنابل مندسّة .. استحلت كل دم قريبٍ أو بعيد .. رغبة في الهروب من هذا المجتمع الهالك … إلى أحضان الحور العين ..!!
وفئة أخرى مصدومة مشدوهة .. تتجرع هذا الواقع وهي تعلم أنها مظلومة .. تبحث عن التغيير وتتحسر على الماضي الذي كانت تُقهر فيه تحت ذرائع الحفاظ على التراث والعادات مهما كانت قاهرة ومستبدة ..!!
تفكر كيف تخرج من واقعها .. وتحس بمدى الألم الذي يعتيريها وهي ترى أجيالها ذهبت وتذهب هدرا ..!!
وهناك فئة تتعامل مع الوضع بحِرَفـيَّة … فتنافق … لأجل حماية مصالحها .. وكسب التأييد والبقاء .. فهي تارة تميل باتجاه العقلانيين .. وتارة باتجاه الأصوليين .. تريد على الأقل الحفاظ على مجتمعٍ صار على وشك الانفجار ..!
ولكن القارئ بدقّة يدرك أن هناك تغيرا يشبه المخاض .. فقد بدأت تتهالك القيم الصدئة .. ما عادت المرأة هي المرأة .. وما عاد الآخر هو الآخر .. وماعادت السلطة بقطبيها الديني والسياسي هي ذاتها .. شيء ما تلاشى من المشهد الدرامي الطويل والرتيب .. ثورة جديدة معلوماتيّة وفكريّة هزّت القناعات القديمة المتأصلة .. الكل يتكلم عن السلبيات الفكرية وضرورة التقييم الفلسفي والثقافي ..والنقد على كل وجه صار بارزا لمن يريد أن يراه ..
الصراحة لم يكن أحد يحلم بمثل هذا منذ سنوات قليلة.. إنها فعلا فترة مخاض ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج





























ديسمبر 28th, 2006 at 28 ديسمبر 2006 2:59 ص
حسب راي دوركايم العالم الإجتماعي ان المجتمعات تعتبر متقدمه عندما يتطورلديها العامل المادي مع العامل الإجتماعي ويسيران بخطين متوازيين اي بمعنى اخر عندما يصاحب النمو الإقتصادي بكل جوانبه العمرانيه والصحيه والماليه والتعليميه…الخ تطور موازٍ له في العادات والتقاليد ونظرة المجتمع إلى المراه وهذا لايكون الا بتسخير هذه المكتسبات الاقتصاديه من اجل النهوض بالجانب الاخر وهذا العبء يقع على الدوله بدون شك فهي المسؤوله عن مهمة النهوض بالمجتمع وسوف يكون هناك معارضه بالتاكيد ولكني اعتقد ان الدوله يجب ان تمسك بزمام المبادره ولنا في الكويت مثال
ديسمبر 28th, 2006 at 28 ديسمبر 2006 3:01 ص
شكراً لهذا الطرح الذي هو هاجسي ومؤرق منامي وثقافتنا التي امتصصناها منذ ولادتنا هي السبب وراء ذلك.
كيف يمكن الخروج من ذلك؟
ديسمبر 28th, 2006 at 28 ديسمبر 2006 3:02 ص
لا نستهن بالمجتمع السعودي أبدا أبدا ،
احترم هذا المجتمع لأقصى حد .. فرغم كل القيود الدينية والاجتماعية المفروضة على عقول وتفكير وسلوك الناس .. الا ان ذلك لم يمنع ظهور أصوات تغرد خارج السرب وبصوت عالي.. فظهرت منتديات تنويرية (اكتسحت ماهو موجود في البلدان الخليجية الاخرى المنفتحة ، كالكويت والامارات والبحرين ) بمحتواها الانساني والثقافي الجاد كـ منتدى ايلاف ، طوى ، دار الندوة ،محاور، جسد الثقافة والشبكة الليبرالية السعودية وغيرها ، وكان هذا الخليط الرائع (من الافكار والعقليات والمعتقدات) التي عبّرت عن نفسها بطريقة حضارية راقية جدا .
انا متأكد .. انه بمجرد إن تنكسر بعض الاغلال المفروضة على حرية التعبير والرأي ، سينفتح المجتمع كحال باقي المجتمعات الصحية المجاورة.. وسيكون وقع ذلك على دور الجوار كبيراً .
ديسمبر 28th, 2006 at 28 ديسمبر 2006 3:03 ص
شخصت حالتنا السعودية بأسطر قليلة ، ولم تقل سوى الحقيقة أخي الكريم ..
وأنا مثلك أرى أن هناك مخاض كبير بدأ منذ الأربع سنوات و أكثر ومنذ وفاة الشيخين ، لأني متابع للفترة بدقة شديدة ، وما سيأتي من سنوات قليلة سنشهد فيه تغيرات كبيرة جدا ، مادية اقتصادية سينتج عنها تغييرات خطيرة جدا في بعض الأعراف والتقاليد وهذا ما يخيفني كثيرا .
أتمنى أن تكون التغييرات تدريجية ، لكن الذي نراه أنها تغييرات سريعة جدا ، وقد يؤدي ذلك إلى قفز بعض التقاليد الطيبة ، التي نتمى ألا تزول .
شكرا لك أخي الكريم ..
ديسمبر 28th, 2006 at 28 ديسمبر 2006 3:04 ص
مقالك اوجز الوضع الراهن باسلوب ادبي غاية في الروعة وبلغة وحوار قمة في التعقل
و لا شك أن التغيرات التي تمر ومرت بها البلاد في السنوات الأربع الأخيرة بالذات، كانت بتسارع مذهل
مقارنة بما قبلها من السنين .. والملاحظ أنه كلما تقدم الزمن زاد هذا التسارع وزادت حدته..
ولكن أتمنى أن لا ينتج عن (المخاض) طفل مشوه ..
شكراً لك مرة أخرى على هذا الحوار الراقي .. وتقبل تحياتي
ديسمبر 28th, 2006 at 28 ديسمبر 2006 3:17 ص
كم انت سفيه يالذي تربى بين الدجاج . هذه عقليت واحد من العلقيات التي خلفتا هذا المجتمع .
المجتمع السعودي تقدم كثيرا وكثيرا فيهم الطيار والمهندس والعالم والشيخ والاديب والكثيير الكثير .
ممن لم يتاثرو بالافكار الهدامه التي جعلت في هذه القوقعه الضيقه التي جعلتك لاتريد ان تسير الى الامام بل تعود الى الخلف انك بهذا تهدم مابناه ابيك والسلف الصالح لنفسك انت اما نحن السعوديين فنحن ماضون الى الامام متمسكون بكتاب الله وهدي نبيه .
ستبقى على مر العصرو وهو مايبحث عنه اعداء هذا البلد في ابناء هذا البلد الطيب .
اريد ان اقول لك كلمة واحده من اتا العلماء في من تتبنى فكرهم . ام انهم قالو لك بانهم اتو ف وفي يدهم ملعقه من ذهب وقد يكون قال لك بن لادن بانه اتى من بير بترول . اعاد الله لك صوابك ايها الدجاجي
أبريل 8th, 2007 at 8 أبريل 2007 1:39 م
كل شيء يبدأ من التعليم حين تتغير سياسة التعليم سيخلق جيل مبدع و منجز خلاف جيلنا هذا..
رؤية و قرأة جيدة للواقع السعودي فتحية لك.
يوليو 16th, 2007 at 16 يوليو 2007 1:30 م
حينما يتفق الشعب (وشبابهم تحديدا) مع الحكومة على التغيير فلن يقف في وجهه أي عائق
وهذا ما يحدث مؤخرا في المملكة ..
تحيات كبيرات
سبتمبر 11th, 2007 at 11 سبتمبر 2007 10:42 م
الله يتمم هذا المخاض على خير!
تحياتي