علي العمري

الفنون ، و جيل الصحوة

كتبهاعلي العمري ، في 29 أغسطس 2008 الساعة: 15:31 م

notes
الفنون من أجمل ما خلّدته الحضارات البشرية عبر العصور ، ظلّت الفنون دائما مرآة تعكس مدى قوة الحس الإنساني للأمم ، وما كان يتمتع به أفرادها من ذائقة فكرية ومعنوية ، نقلت الإنسان من أطواره البدائية إلى مستويات أرقى ذهنيا وحسيًّا ، ولازالت الفنون بأنواعها ترجمانا حقيقيا ومذهلا لما تزخر به النفس البشرية من عواطف وأشجان وتجليات تتحول إلى رسوم ونقوش وأنغام وأشعار وطقوس ، ومهارات وحرِف صبغت وجه الإنسانية بألوان شتى ألّفت طيفا بديعا جديرا بالتوقّف والدراسة والإفادة مما فيه من كنوز حفظها لنا التراث الآدمي ليتشكل واقعنا على صداها فتتسامى المدارك وترتاح الأنفس ومن دون هذه الفنون يبقى الإنسان كائنا ماديا متوحشا يبحث عن البقاء الجسدي والحيواني المتمثل في أكله وشربه وغرائزه المجرّدة ونظرا للبعد المعنوي الذي تمثله الفنون في حياة الشعوب فإنها تغوص في التفاصيل الحيويّة التي تتعلق بمعيشة البشر وشؤونهم ،فترى روعة البناء والزخرفة و تصاب بالذهول عندما تدقق في التفاصيل الهندسية والمعمارية للقصور والأهرامات والجسور والتماثيل وتطالع الرقصات المتباينة من كل مكان في هذا العالم ، تتنقل بن أهازيج الشعوب وأغانيهم وتعرف كيف يعبرون عن أفراحهم ، ومآسيهم ، وكيف يتمازجون مع الكون والأشياء من حولهم لتبدو المحصّلة ناتجة عن اقتران الحاجة بالإبداع والرغبة بالفن .

وبين الفنون والروحانيات اقتران من نوع آخر ذلك لأنها تسير دائما في طريق واحد يمر عبر خلجات النفس فيهذّبها ونقلها إلى حالة من التمسرح الذي ينقيها ويكسبها السكينة والاستقرار ، فترى ذلك الاندماج جليّا ، بين الأديان والمعتقدات وبين الفنون ، لا زلت أستمع مراراً لمعزوفة الرين ميكر ( RAINMAKER ) التي عزفها فرقة يقودها المبدع اليوناني الأصل ( YANI ) وهي مقطوعة موسيقية قديمة عند الهنود الحمر يقومون بعزفها احتفاءا بهطول المطر وشكرا للإله على ذلك ، ولا تخلو الديانات السماوية من التراتيل والابتهالات التي هي في مجملها تُعتبر موسيقى تُؤدى بطرق مختلفة ، تغذي الجانب الروحاني للمؤمن .
وفي الإسلام - الدين الخاتم - تجد العديد من التلاوات الرطبة النديّة السائغة لكتاب الله تعالى تتفق مع المقامات الموسيقية المعروفة عن العرب كمقام البيّات ، ومقام الحجاز ، وهذه يعرفها الضالعون في هذا العلم ، وكذلك بالنسبة للآذان والدعاء .

ولا ننسى أن قسما كبيرا من مخرجات الحضارة الإسلامية رسمت وجهها الفنون الجميلة ، في القباب والمساجد والجامعات والنوادي الاجتماعية والمحافل ، وفي صدور الناس وألسنتهم ولهجاتهم وعباداتهم ، ولكن يبقى من الشاذ جدا والغريب والمؤسف أن ترى من يجهل ذلك ، أو يحاول أن يبني عازلا بين ثقافة الناس وواقعهم ،ساقني إلى هذا ما شاهدته في مقطع مصوّر متداول عبر أجهزة البلوتوث المحمولة وفي المقطع يحطم أحد الدعاة آله موسيقيّة عريقة ( العود ) أثناء تقديمه لمحاضرة دينية ارتجالية حضرها حشد من الشباب والمراهقين المحبين لهذا الرجل الذي يوصم بينهم بخفّة الظل والدعوة بالموعظة الحسنة التي تلاشت مع ما تبقى من حطام هذا العود ، وسط صراخ وتكبير قام المحاضر بالنهوض ورفس الهيكل الخشبي للآلة وتقطيع ومصع أوتارها ، مشهد يجعلنا ندرك هذا الكم من الحقد على كل ماله صلة بالموسيقى والفن ، ضمن رغبة ملحّة من عقليات فهمت حقيقة التدين بشكل مشوّه لاستئصال الفنون وانتزاعها من حياة النشء ، رغبة تريد أن تعود بنا إلى عصر إنسان الكهوف والشعوب البدائية الهمجيّة ، رغبة تتصادم مع نواميس الكون ونداء الطبيعة .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “الفنون ، و جيل الصحوة”

  1. من المفترض أن يكون هناك تنظيم لهذه الندوات من جهات متخصصة تربوية وأن لا يترك المجال مفتوح لأعداء الحياة وكل من أتخذ مظهر المتدين

  2. موضوع واقعي وحقيقي

    ولكن لو علموا بأن أول من كتب عن الموسيقى هم علماء المسلمين لما هاجموها بهذه الطريقه

    محمد



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر